العيني

147

عمدة القاري

دونه ما أتيتك ، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم ، فلما نزل عليه آيتان أنفرتانا منها ، فوقعنا بنصيبين ، ولا تقرآن في بيت إلاَّ لم يلج فيه الشيطان ثلاثا ، فإن خليت سبيلي علمتكهما . قلت : نعم . قال : آية الكرسي وخاتمة سورة البقرة أمن الرسول إلى آخرها ، فخليت سبيله ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخبره فإذا مناديه ينادي : أين معاذ بن جبل ؟ فلما دخلت عليه قال لي : ما فعل أسيرك ؟ قلت : عاهدني أن لا يعود ، وأخبرته بما قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق الخبيث وهو كذوب . قال : فكنت أقرؤهما عليه بعد ذلك فلا أجد فيه نقصانا . وأما حديث أبي بن كعب ، رضي الله تعالى عنه ، فقد رواه أبو يعلى الموصلي : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا مبشر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبدة بن أبي لبابة عن عبد الله ابن أبي بن كعب أن أباه أخبره أنه : كان له جرن فيه تمر ، فكان يتعاهده فوجده ينقص ، قال : فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم ، قال : فسلمت فرد علي السلام ، قال : فقلت : أنت جني أم أنسي ؟ قال : جني . قال : قلت : ناولني يدك . قال : فناولني فإذا يده يد كلب وشعر كلب ، فقلت : هكذا خلق الجن ؟ قال : لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني . قلت : فما حملك على ما صنعت ؟ قال : بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك . قال فقال له أبي : فما الذي يجيرنا منكم ؟ قال : هذه الآية ، آية الكرسي ، ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق الخبيث ) . ورواه الحاكم في ( مستدركه ) ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ورواه ابن حبان في ( صحيحه ) والنسائي وغيرهم . وأما حديث أبي أيوب الأنصاري ، رضي الله تعالى عنه ، فرواه الترمذي في ( فضائل القرآن ) : ( حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب الأنصاري أنه كانت له سهوة فيها تمر ، فكانت تجيء فتأخذ منه الغول ، قال : فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إذهب فإذا رأيتها فقل : بسم الله ، أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذها فحلفت أن لا تعود ، فأرسلها فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما فعل أسيرك ؟ قال : حلفت أن لا تعود ، فقال : كذبت وهي معاودة للكذب . قال : فأخذها مرة أخرى فحلفت أن لا تعود ، فأرسلها ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما فعل أسيرك ؟ قال : حلفت أن لا تعود . فقال : كذبت وهي معاودة للكذب ، فأخذها فقال : ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إني ذاكرة لك شيئا ، آية الكرسي اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره ، فجاء إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما فعل أسيرك ؟ فأخبره بما قالت . قال : صدقت وهي كذوب ) ، وهذا حديث حسن غريب . وأما حديث أبو سعيد الأنصاري فرواه الطبراني من حديث مالك بن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه عن جده أبي أسيد الساعدي الخزرجي ، وله بئر في المدينة ، يقال لها : بئر بضاعة ، قد بصق فيها النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فهي ينشر بها ويتيمن بها ، قال : فقطع أبو أسيد تمر حائطه فجعلها في غرفة ، وكانت الغول تخالفه إلى مشربته فتسرق تمره وتفسده عليه ، فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إذا قال تلك الغول : يا أبا أسيد ، فاستمع عليها ، فإذا سمعت اقتحامها ، فقل : بسم الله أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت الغول : يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعطيك موثقا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق تمرك ، وأدلك على آية تقرؤها في بيتك فلا تخالف إلى أهلك ، وتقرؤها على إنائك ولا تكشف غطاءه ، فأعطاه الموثق الذي رضي به منها ، فقالت : الآية التي أدلك عليها آية الكرسي ، ثم حكت أستها تضرط ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه القصة حيث ولت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صدقت وهي كذوب ) . وأما حديث زيد بن ثابت ، رضي الله تعالى عنه ، فرواه ابن أبي الدنيا ، وفيه : أنه خرج إلى حائطه فسمع جلبة فقال : ما هذا ؟ قال رجل من الجن : أصابتنا السنة فأردت أن أصيب من ثماركم . قال له : ما الذي يعيذنا منكم ؟ قال : آية الكرسي . قوله : ( جرن ) ، بضمتين جمع : جرين ، بفتح الجيم وكسر الراء ، وهو موضع تحفيف التمر . قوله : ( سهوة ) ، بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو ، وهي : الطاق في الحائط يوضع فيها الشيء ، وقيل : هي الصفة ، وقيل : المخدع بين البيتين ، وقيل : هي شبيه بالرف ، وقيل : بيت صغير كالخزانة الصغيرة . قوله : ( الغول ) ، بضم الغين المعجمة ، وهو شيطان يأكل الناس ، وقيل : هو من يتلون من الجن . قوله : ( أبو أسيد ) ، بضم الهمزة وفتح السين ، واسمه : مالك بن ربيعة . قوله : ( ينشر بها ) من النشرة ، وهي ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسا من الجن ، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من